قاسم السامرائي
89
علم الاكتناة العربي الإسلامي
والتكايا والصناديق المقفلة فتتعرض لبعض الآفات المعروفة كالحريق ، والأرضة مثلا ، فلعل أحدا يعثر في المستقبل على نسخة أخرى مما نشر ، فيعيد تحقيقها تحقيقا جديدا ، وقد حدث مثل هذا كثيرا أيضا . بل إنّ النسخة الفريدة إذا وقعت في يد محقق جاد ، واسع المعرفة بفنون التحقيق والتنقير ، جم الصّبر على فكّ معمياتها ، فإن حرصه يشتد على إخراجها صحيحة سليمة ، لأنها تشكل تحديا عنيفا له ، يدفعه إلى البحث العميق والتنقير الطويل ، فيزداد بذلك علما على علمه وتجربة على تجربته ، إذ ليس عند المحققين الجادين شيء أجمل وأعز لديهم من العثور على خبر يصحح ما اعتور المخطوطة الفريدة من طمس أو محو أو سقط ، فيغشاهم السرور الدافق ويعمّ قلوبهم الحبور السامق الذي لا يعرف لذته ولا يدرك كنهه إلا الهواة الذين غلب حب التراث على قلوبهم . أما الذين يسرقون جهود الآخرين ، ويدسون أنوفهم فيما لا يفقهون ، فلامكان لهم بين المحققين الذين يفنون أعمارهم في خدمة هذا التراث ، ويضحون بنور عيونهم وصحة أبدانهم ، ناهيك عن أموالهم ، في سبيل إخراج النصوص صحيحة وسليمة من كلّ خطأ أو وهم أو عوار .